أحمد مصطفى المراغي
270
تفسير المراغي
( مَلِكِ النَّاسِ ) أي مالكهم ومدبر أمورهم ، وواضع الشرائع والأحكام التي فيها سعادتهم في معاشهم ومعادهم . ( إِلهِ النَّاسِ ) أي المستولى على قلوبهم بعظمته ، وهم لا يحيطون بكنه سلطانه بل يخضعون بما يحيط منها بنواحي قلوبهم ، ولا يدرون من أىّ جانب يأتيهم ، ولا كيف يسلط عليهم . وإنما قدم الربوبية ، لأنها من أوائل نعم اللّه على عباده ، ثم ثنى بذكر المالكية لأن العبد إنما يدرك ذلك بعد أن يصير عاقلا مفكرا ، ثم ثلّث بذكر الألوهية ، لأن المرء بعد أن يدرك ويعقل يعلم أنه هو المستوجب للخضوع والعزة والمستحق للعبادة وإنما قال : رب الناس ، ملك الناس ، إله الناس ، وهو رب كل شئ ومالك كل شئ وإله كل شئ من قبل أن الناس هم الذين أخطئوا في صفاته وضلوا فيها عن الطريق السوىّ ، فجعلوا لهم أربابا ينسبون إليهم بعض النعم ، ويلجئون إليهم في دفع النقم ، ويلقبونهم بالشفعاء ، ويظنون أنهم هم الذين يدبرون حركاتهم ، ويرسمون لهم حدود أعمالهم . وبحسبك أن تقرأ قوله تعالى : « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ، وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » وقوله : « وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ؟ » . والخلاصة - إنه سبحانه أراد أن ينبه الناس بأنه هو ربهم ، وهم أناس مفكرون ، وملكهم وهم كذلك ، وإلههم وهم هكذا ، فباطل ما اخترعوا لأنفسهم من حيث هم بشر . ( مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ ) أي ألجأ إليك ربّ الخلق وإلههم ومعبودهم أن تنجينا من شر الشيطان الموسوس الكثير الخنوس والاختفاء ، لأنه يأتي من ناحية